الخميس، 7 يوليو، 2011

قراءة في كتاب: «الشعر والشعراء» لابن قتيبة


                               المساوي حميد ، وزاهيد عبد الرحمان
مقدمة:
بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد أشرف المخلوقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لا يختلف اثنان في أن الشعر العربي منذ العصر الجاهلي كان ديوان العرب؛ حيث عبروا فيه عن آمالهم وأحلامهم، ودونوا فيه تاريخهم وأمجادهم. وكان من الطبيعي أن يظهر من يهتم بهذا الفن الجليل بدءا بالشعراء أنفسهم[1]، حيث كان الشاعر يسعى إلى أن يبرع في قصيدته، مستعملا ألوانا شتى من الزخرفة الطبيعية والفنية في الوقت نفسه.
ولم تقتصر العناية بالشعر على الشعراء فحسب، بل تجاوزتهم لتشمل "النقاد" في وقت رفعت فيه دعاوى جديدة على جوانب عدة، كان محورها الدين الجديد الذي جاء بطيف أشكال من المعاملات والأخلاق، فكان طبيعيا كذلك أن يقف الشاعر من جهة، والناقد من جهة ثانية لإثبات هذه القيم، وفضلا عن ذلك، فقد ظهر الاهتمام بالشعر وعلومه في زمن لم تتأسس فيه العلوم العربية فحسب، وإنما تأسست فيه الثقافة العربية بمختلف أشكالها، فكانت العناية بالشعر لأنه مصدر اللغة الأنيقة والتعابير الجزلة والمعاني الدقيقة.
والعلماء الذين اشتغلوا على الشعر بالجمع، أو الشرح، أو النقد، فلا يكاد يستطيع باحث من الباحثين أن يأتي على ذكرهم، ومهما تعددت أسماؤهم فهم مختلفون في نظرتهم إلى الشعر والشعراء.
فهذا ابن سلام الجمحي صاحب كتاب "طبقات فحول الشعراء"، نال قصب السبق بهذا العمل الجليل والجهد الرفيع، واعتال مراتب الأدب به، كيف لا، وهو مصدر أدبي سعى فيه ابن سلام إلى التأريخ لشعراء جاهليين ومخضرمين وإسلاميين فضلا عن الأمويين.
وبخصوص ابن قتيبة فجهده لا ينكر في هذا المجال، فكتابه "الشعر والشعراء" – الذي هو موضوع دراستنا – كتاب عمدة في مادته، ألفه إمام جليل في بيان أحوال الشعر والشعراء، ومقدمته تكاد تكون موضوعا لكتاب، حيث تزخر بقضايا كانت ولا تزال محط الدراسة لدى الباحثين، من قبيل اللفظ والمعنى، الطبع والتكلف، بناء القصيدة وغيرها من الأمور التي سيأتي التفصيل فيها في ثنايا هذا البحث، الذي ارتأينا من خلاله الكشف عن خبايا جملة من النصوص الخطيرة والحاسمة داخل الكتاب، وكذا الفروق بين ابن سلام الجمحي وابن قتيبة، باعتبار الأخير تلميذا للأول.
وكل ما أوردناه من مواقف ليست وحيا، وإنما اجتهاداتنا المتكاملة والمتواضعة في الوقت نفسه، وربما الجديد الذي أتى به البحث هو الإحصاء الذي أقيم للشعراء في الكتابين (طبقات فحول الشعراء، والشعر والشعراء)، ولا ندعي بذلك التمييز، وإنما التنبيه.
ونتمنى أن نكون قد كشفنا حقا عن المستور في هذا الكتاب، آملين أن نكون عند حسن الظن.



 


I- ابن قتيبة وتأليفه لكتاب الشعر والشعراء:
1- صاحب الكتاب:
هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، من أصل فارسي، نشأ ببغداد. وتولى القضاء في بلدة الدينور لذلك لقب بالدينوري، وقد كان له اتصال وثيق بالوزير محمد بن عبد الله بن طاهر، الذي كان يكرم العلماء ويجود عليهم، وقد كان زعيما لأهل السنة، حيث كان يدافع عن مذهبهم ضد علماء الكلام إلى أن وافته المنية سنة (ت 276هـ)، بعد أكله لهدية فاسدة.
وقد روى ابن قتيبة عن مشاهير عصره ومن ضمنهم: والده مسلم بن قتيبة، وقد أشار إلى ذلك في كتابه "عيون الأخبار" حيث قال: "حدثني أبي عن أبي العتاهية"، وأبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي (ت 231هـ) صاحب "طبقات فحول الشعراء". وأبو يعقوب بن راهويه، وهو إمام جليل في الفقه والحديث، صاحب الإمام الشافعي، وعنه قال أحمد بن حنبل: "لا أعرف لإسحاق بالعراق نظيرا". ومن أساتذته أيضا: أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني (ت: 248-255هـ)، وأبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي (تلميذ سيبويه والأصمعي)، (ت: 249هـ)، ثم أبو عثمان الجاحظ (ت: 255هـ) وغيرهم.
وله مصنفات كثيرة بلغت عدتهما كما يقول المعري خمسة وستين مصنفا منها: كتاب الوزراء، صناعة الكتابة، غريب الحديث، وفضل العرب والتنبيه على علومها، وعيون الأخبار، وأدب الكاتب، والمعاني الكبير، وعيون الشعر، والشعر والشعراء موضوع دراستنا... وغيرها من الكتب.
وربما كان سبب إنتاج هذا الكم الهائل من المصنفات، عدم تولي ابن قتيبة أي منصب – سوى منصب القضاء بالدينور – وبعده عن الدولة وأمورها، حيث كان يخلو بنفسه ويألف كتبه ويجودها، ويمكن القول إن ابن قتيبة كان شبيها إلى حد بعيد بأبي العلاء المعري. إذ إن سبب شهرة هذا الأخير يرجع إلى فشله في بلوغ مرتبة كاتب دولة فضلا عن موت والدته الذي غير من حياته الكثير، وأغلب الظن أن أبا العلاء المعري لو استطاع أن يكون كاتبا للدولة (كاتب رسمي)، لما استطاع أن ينتج ما أنتجه.
عموما فما أنتجه ابن قتيبة في القرن الثالث الهجري، يعد علامة مميزة له ولعصره، حيث ساهم بذلك الزخم في إغناء الخزانة العربية بتراث فكري رائع.
إذن، فما هي الظروف التي صاحبت تأليف الكتاب؟

2- ظروف تأليف الكتاب:
لم تشر كتب التاريخ والآداب إلى سنة تأليف ابن قتيبة لكتابه الشعر والشعراء، إلا أن كتابه كان بلا شك نقلة أدبية في القرن الثالث الهجري. فبالنظر إلى موقع الكتاب في هذا القرن، نجده واحدا من أبهات مصادر الأدب العربي، التي تزخر بها الخزانة العربية.
وهذا الكتاب طبع عدة طبعات، كان أولها في ليدن سنة 1875، وأعيد طبعه سنة 1902 بتحقيق دي غويه، كما طبع طبعات أخرى، كان آخرها الطبعة التي صدرت سنة 1966  بتحقيق أحمد محمد شاكر.
عموما، فمهما تعددت طبعاته، فإنه كتاب عمدة في مادته المتميزة، كما يعتبر من مصادر الأدب التي لا غنى لباحث الأدب عنها، والتي يشهد لها بالريادة. ألفه إمام لغوي، وأديب ألمعي، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، على غرار أستاذه ابن سلام الجمحي.
وقد صاحب تأليف هذا الكتاب مناخا متميزا عرفه القرن الثالث الهجري وتميز به باعتباره القرن الذي سالت فيه أقلام العلماء آنذاك، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
- ابن سلام الجمحي (ت: 231هـ): من خلال كتابه طبقات فحول الشعراء الذي صنف فيه الشعراء إلى طبقات معتمدا في ذلك معايير من أبرزها الجودة والكثرة.
- الجاحظ (ت 255هـ): هذا الكاتب وخزانته تغني عن التعريف به، فقد كان إمام للأدباء والمتكلمين، وله آراء كثيرة في النقد الأدبي، خصوصا في مسألة الطبع والتكلف، وكذا مسألة اللفظ والمعنى.
- المبرد (ت 285هـ): كل ما كتبه المبرد من كتب تعبر عن ثقافة عصره من نحو وشعر ولغة. ومن خلال كتابه "الكامل" مثلا نجده قد حدد موقفه من الصراع الأدبي الذي نشأ في أوائل العصر العباسي بين أنصار الشعر القديم، وأنصار الشعر الجديد.
وبذلك فكتاب "الشعر والشعراء" لم يكن "زهرة برية"، وإنما كان مجاريا لحركة التأليف التي شهدها القرن الثالث الهجري، إلى جانب كل من ابن سلام والجاحظ والمبرد وغيرهم.
والغرض من هذا الكتاب هو التأريخ للشعر ونقده، فقد أرخ ابن قتيبة فيه إلى نحو مائة وثمان وتسعين شاعرا، ونيف، بدءا من العصر الجاهلي حتى حدود العصر العباسي الأول. كما تضمن الكتاب ما يقرب من ألفي لفظة من الغريب أتى ابن قتيبة على شرحها وبيان أوجه استعمالها.
وطبيعي في عصر هذه سماتة، أن ينصب اهتمام العلماء، على دراسة الشعر لما له من أثر بليغ في الحياة الإنسانية عامة، والعربية منها على وجه الخصوص.
وغير خاف على ذوي الألباب، أن "أشعار العرب" هي مضرب الأمثال؛ في الفصاحة وحسن التركيب وقوة الدلالة. وهي المصدر والسند الذي أقيمت عليه أصول النحو والبلاغة العربيين. وهي السراج المنير لكل راغب في حيازة علوم القرآن والحديث النبوي الشريف.
3- آراء الباحثين في الكتاب:
في هذا المبحث، سنعرض لآراء بعض الباحثين، المحدثين في كتاب الشعر والشعراء، وهم على الشاكلة التالية:
أ- محمد زغلول سلام: يرى هذا الباحث أن الجزء الثاني من الكتاب ليس سوى مجرد جرد لآراء سابقي ابن قتيبة كالجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" وابن سلام في "طبقات فحول الشعراء"[2].     
ب- إحسان عباس: يرى هذا الناقد أن طبيعة المقدمة  يفصلها عن طبيعة الكتاب بون شاسع، فبينما تهدف هي إلى تصوير موقف ابن قتيبة من الشعر يأتي الكتاب تأريخا وترجمة للشعراء[3].
والحق أن ابن قتيبة حاول الفصل بين الشعر والشعراء، بدءا من عنوان الكتاب "الشعر والشعراء".
ج- محمد رمضان الجربي: يرى هذا الباحث أن مقدمة الكتاب مقدمة  نفيسة تدل على عبقرية ابن قتيبة الفذة وشخصيته المتميزة وفكره المتحرر وآرائه الفاطنة والوجيهة في النقد. يقول: "... مقدمة نفيسة تدل على عبقريته [ابن قتيبة] وقوة شخصيته وحرية فكره وآرائه القيمة في النقد، وفطنته للمقاييس الفنية، والقيم الجمالية منذ ذلك الوقت المبكر"[4].
د- عبد العزيز عتيق: يرى أن الكتاب مرجع من مراجع تاريخ الأدب العربي الأساسية، ذلك أنه اشتمل على أخبار الشعراء وعصورهم وأشعارهم[5].
هـ- حسن تميم: يقول: "... هو كتاب عمدة في مادته وفحواه، ويعتبر من مصادر الأدب الأولى، ألفه أحد أئمة اللغة والأدب، الذي يستشهد بقوله، ويرجع إلى نقله، عرض فيه تراجم مشاهير الشعراء الذين تتداول أسماؤهم كتب الأدب والبلاغة، والذين أسهموا بإنتاجهم الشعري في إغناء أدب العرب. والذين يقع الاحتجاج بشعرهم في علوم النحو والغريب، وفي معاني كتاب الله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"[6].
وعلى الرغم من تباين مواقف هؤلاء الباحثين من كتاب الشعر والشعراء، إلا أن ابن قتيبة يبقى علما بارزا من أعلام القرن الثالث الهجري وآية من آياته. ويظل كتابه أبد الدهر شاهدا على منجزه النقدي.
فما هي إذن تجليات ذلك المنجز النقدي داخل الكتاب؟
II- كتاب الشعر والشعراء:
1- منهج ابن قتيبة النقدي:
منذ البداية يعترف ابن قتيبة أنه خص بكتابه هذا: الشعراء (أخبارهم، وأزمنتهم، وأقدارهم، وأحوالهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم...)، والشعر (أقسامه، وطبقاته، والوجوه التي يختار عليها ويستحسن، وعيوبه...).
قال أبو محمد: "وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو وفي كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما من خفي اسمه وقل ذكره وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا. وإذ كنت أعلم أنه لا حاجة بك إلى أن أسمي لك أسماء لا أدل عليها بخبر أو زمان أو نسب أو نادرة أو بيت يستجاد أو يستغرب"[7].
الظاهر أن ابن قتيبة ترجم للمشهورين من الشعراء الذين يحتج بأشعارهم في الغريب وفي النحو وفي كتاب الله عز وجل، وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم، في حين  لم يبد أي اهتمام بمن قل ذكره وكسد شعره لجهله بأخبارهم، ولأنه يرى أن القارئ في غنى عن ذكر أسماء دون ذكر أخبار وأزمان وأنساب وأشعار أصحابها. وأغلب الظن أنه سار على منهج سابقيه في تمييز الشعر والشعراء. ومن بينهم ابن سلام الجمحي؛ فإذا عدنا إلى الطبقات نجده هو الآخر اقتصر على المشهورين من الشعراء، والدليل على ذلك قول ابن قتيبة نفسه: "... ولا أحسب أحدا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى  لم يفته من تلك القبيلة  شاعرا إلا عرفه ولا قصيدة إلا رواها"[8].
ويقول: "ولعلك تظن رحمك الله أنه يجب على من ألف مثل كتابنا هذا ألا يدع شاعرا قديما ولا حديثا إلا ذكره، وذلك عليه وتقدر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار والملوك والأشراف الذين يبلغهم الإحصاء ويجمعهم العدد. والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف من وراء عددهم واقف. ولو أنفذ عمره في التنقير عنهم واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال..."[9].
وكأن بابن قتيبة يريد أن يقول لنا إنه لا طائل من استقصاء كل الشعر، فمهما بلغ الباحث لا يستطيع أن يحصي ويلم بكل شعراء قبيلة واحدة، ولو أنفذ في ذلك كل عمره، ما بالك بكل القبائل العربية وربما أن في ذلك أيضا إشارة إلى أن سابقيه حاولوا في هذا المضمار فلم يصلوا إلا إلى القليل من الشعراء الذين صار ذكرهم أكثر من نار على علم.
إن غاية ابن قتيبة في كتابه أن يعرض لمن غلب عليه الشعر لا غير، كما فعل ابن شبرمة القاضي وسليمان بن قتية التيمي المحدث. ذلك لا لقصر جهد ابن قتيبة وباعه  في المسألة، وإنما أراد  أن يتخصص.
يقول ابن قتيبة: "... لم أسلك فيما ذ كرته من شعر كل شاعر مختارا له سبيل  من قلد أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كلا حظه ووفرت عليه حقه، فإني رأيت في علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويضعه في  متخيره ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله..."[10].
إن النص يعكس بجلاء مذهب بن قتيبة النقدي، فقد كان بن قتيبة عادلا منصفا في التمييز بين هذا الشاعر وذاك، وهذا الشعر وذاك، فـ "المحك عنده جودة الشعر بغض النظر عن الأقدمية والحداثة أو تقدم قائله أو تأخره"[11]، فهو لم يتعصب لقديم لقدمه، ولا لحديث لحداثته، كما فعل ابن الأعرابي والأصمعي وأبو عمرو بن العلاء مع شعراء العصر العباسي، خاصة جرير، والأخطل، والفرزدق، وأبو نواس وأبو تمام... عندما عدوهم من المحدثين، وعدوا شعرهم بالفاسد والرديء والأقوال كثيرة في هذا الباب.
2- القضايا النقدية في الكتاب:
أ- أضرب الشعر:
بعد التأمل في الشعر وأموره من جهة التدبر، استطاع ابن قتيبة أن يؤسس مقاييس للشعر انطلاقا من ركنيه (اللفظ والمعنى)، يقول: "تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب"، فكلمة تدبرت تدل على أن هناك تفكير ومنطق، وهناك إمعان النظر وتدقيق، وبصفة عامة هناك مقومات النقد. فابن قتيبة كان على وعي تام بمعاني الشعر وألفاظه، ما مكنه من الاهتداء إلى هذا التقسيم، وربما كان مما ساعده في ذلك درايته بعلم المنطق، وعبارة "أربعة  أضرب" تدل على ذلك. وهذه الأضرب هي:
Ÿ ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه:
ومثل لهذا الضرب بقول قائل من بني أمية:
في كفه خيزران ريحه عبق
يغضي حياء ويغض من مهابته


من كف أروع في عرنينه شمم
فما يكلم إلا حين يبتسم[12]


كما استدل على هذا الضرب بقول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب


وليل أقاسيه بطيء الكواكب[13]

 أول ما يتبادر إلى الذهن  عند قراءة هذه الأبيات طغيان الحقل الديني بقوة، وربما كانت الخلفية الدينية التي يتمتع بها ابن قتيبة، هي التي أملت  عليه اختيار هذه الأبيات دون غيرها، فاتخذها سبيلا للحكم على المعاني. والأبيات نفسها تحمل من الألفاظ الجزلة والغريبة (عرنينه، الشمم، يفضي...)، ومن الأساليب البلاغية من قبيل: الجناس (كفه = كف/ يغضي= يغض)، والسجع (شمم = يتسم/ كفه = ريحه/ ناصب = كواكب)، فضلا عن الاستثناء (إلا)، والنداء (يا أميمة)، والأمر (كليني)، والعطف (وليل، ويغض)... هذا كله كان سببا في حكم ابن قتيبة على ألفاظ ومعاني هذه الأبيات بالحسن والجودة.
Ÿ ضرب منه حسن لفظه وساء معناه:
هذا الضرب يبرع فيه الشاعر في اللفظ، لكن يخونه المعنى كقول القائل:
"ولما قضينا من منى كل حاجة
وشدت على حدب المهاري حالنا
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا


ومسح بالأركان من هو ماسح
ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
وسالت بأعناق المطي الأباطح


هذه الألفاظ، كما ترى، أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع،  وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته. ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء ومضى الناس لا ينظر الغادي الرائح ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح. وهذا الصنف في الشعر كثير..."[14].
فابن قتيبة اعتمد على ثلاثة عناصر في الحكم على اللفظ وهي: المخرج، أي المكان الذي تنبجس منه الحروف، فكلما تقاربت الحروف في المخرج حصل هناك لبس وتعذر في النطق وهذا النوع يستبعده ابن قتيبة كغيره ممن سبقه؛ فهذا الجاحظ يعلق على بيتين أنشد أحدهما خلف الأحمر، وأنشد الثاني أبو البيداء الرياحي وهما:
"وبعض قريض القوم أولاد علة
وشعر كبعر الكبش فرق بينه


يكد لسان الناطق المتحفظ
لسان دعي في القريض دخيل

وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جانب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة. (وعلق على البيت الذي أنشده الرياحي بما يلي: (...) وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر تراها متفقة ملساء ولينة المعاطف سهلة، وتراها متباينة ومتنافرة مستكرهة تشق على اللسان حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد"[15]، وكيف يمكن للقارئ أن يقرأ قول الشاعر: 
وحرب قبر بمكان قفر


وليس قرب قبر حرب قبر

دون عنت ومشقة.
ثم نظر إلى المطالع: فمطالع الأبيات متسقة ومنسجمة ومتراصة.
وبخصوص المقطع: فابن قتيبة يرى أن كل مقطع من مقاطع الأبيات يتآلف والآخر كما أن كل واحد يكمل الآخر.
Ÿ ضرب جاد معناه وساء لفظه:
في هذا الضرب ينظر ابن قتيبة إلى الأشعار التي جاد معناها وقصرت ألفاظها كقول لبيد:
ما عاتبت المرء الكريم كَنَفْسِهِ


وَالْمَرْءُ يُصْلِحُهُ الْجَلِيسُ الصَّالِحُ

هذا إن كان جيد المعنى والسبك فإنه قليل الماء والرونق.
وكقول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنه


ليل يصيح بجانبيه نهار"[16]

فإذا اعتمدنا على بيت لبيد يمكن أن نهتدي إلى المعنى من نظرة أولية، دون تمعن أو تدبر، كما أن ألفاظ البيت هي من المعتاد.
أما قول الفرزدق: (والشيب)، فقد عده عبد القاهر الجرجاني في "الدلائل" ضمن الأبيات الحسنة التي تضمنت أحسن تشبيه، وهو تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد. ومن ذلك أيضا قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا


لدى وكرها العناب والحشف البالي


وقول بشار بن برد (ت 168هـ):
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا


وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه


Ÿ ضرب ساء معناه ولفظه:
مثل له بقول الأعشى:
وفوها كأقاحي
كما شيب براح با


غذاه دائم الهطل
رد من عسل النحل


وقول الخليل:
"إن الخليط تصدع
لولا جوار حسان


فطر بدائك أو قع
حور المدامع أربع

(...) وهذا الشعر بين التكلف رديء الصنعة وكذلك أشعار العلماء ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة كشعر الأصمعي وشعر ابن المقفع وشعر الخليل خلا خلف الأحمر فإنه كان أجودهم طبعا وأكثرهم شعرا..."[17].
ومهما كان هذا التقسيم، فهو تقسيم علمي إلى حد بعيد، يرمي إلى تحديد درجات الشعر. وليس جانب اللفظ والمعنى وفقط، هو معيار اختيار الشعر، وإنما هناك معايير أخرى اعتمد عليها بن قتيبة في عمله هذا، كالإصابة في التشبيه، أو لأن صاحبه لم يقل غيره...
وما يجعل عمل بن قتيبة هذا عملا نقديا متميزا، هو كونه أتى على كل ضرب وما يوافقه من أمثلة متعددة.

ب- الطبع والتكلف:
Ÿ التكلف: الشاعر المتكلف عند ابن قتيبة هو كل شاعر قام بتجويد شعره، ونقحه وأعاد النظر فيه، كزهير والحطيئة، وقد استند في ذلك إلى قول الأصمعي الذي كان يقول: "زهير والحطيئة وأشباههما من عبيد الشعر"[18]، إلا أنه في موضع آخر من الكتاب يريد بالتكلف معنى آخر وهو المشقة والعناء، إذ "كان الفرزدق يقول أنا اشعر تميم وربما أتت علي ساعة ونزع ضرس أسهل علي من قول بيت"[19].
ومن الأسباب التي أدت إلى ذيوع هذا النمط من الشعر (شعر التكلف) هي "الطمع" بمعنى شيوع شعر التكسب.
ولأجل ذلك حاول ابن قتيبة أن يضع معايير زمنية مرتبطة بقول الشعر وهي أربعة معايير على غرار الضروب الأربعة، وهي:
- أول الليل قبل تغشي الكرى.
- صدر النهار قبل الغداء.
- يوم شرب الدواء[20].
- الخلوة في الحبس والميسر.
والمستخلص في تحديد هذه العلل أن ابن قتيبة يريد أن يشير بهذه الإشارات الدقيقة إلى أن الأشعار تختلف أوقاتها، كما تختلف نفسية قائلها باختلاف زمن قولها.
Ÿ الطبع: يقول ابن قتيبة عن الشاعر المطبوع: "والمطبوع من سمع بالشعر واقتدر على القوافي وأراك في صدر بيته عجزه وفي فتحة قافيته، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشي الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحر"[21].
ومراد هذا النص أن المطبوع من الشعراء، هو من يقول الشعر على طبيعته ولا يجهد نفسه أثناء قوله. ومعنى "لا يتلعثم إذا سئل" أي لا يتردد في قول الشعر. إذ يتبادر إلى ذلك منذ الوهلة الأولى، وفي هذا يختلف الشعراء، وذلك لأن المطبوعين من الشعراء يختلفون من غرض إلى غرض آخر. وقد صنفهم ابن قتيبة إلى أربعة أصناف:
Ÿ شاعر يسهل عليه المديح.
Ÿ شاعر يعسر عليه الهجاء.
Ÿ شاعر تتيسر عليه المراثي.
Ÿ شاعر يتعذر عليه الغزل.
ورغم هذا التفريق بين التكلف والطبع إلا أن وصف ابن قتيبة لمنقحي الشعر بالتكلف لا يمكن الأخذ به مبدئيا، وهذا حكم ينم إلى حد بعيد عن عدم التمييز بين التكلف والتنقيح.
ج- عيوب الشعر:
بعد كل ما ذكرناه انتقل ابن قتيبة إلى ذكر عيوب الشعر، وهذا ما يوحي إلى أن نظرة الكاتب للشعر، كانت نظرة علمية صرفة بحيث لا يحكم على الشعراء انطلاقا من ذوقه فحسب، بل انطلاقا من المعايير التي حددها هو نفسه كذلك. أما العيوب التي وقف عندها ابن قتيبة، فهي خمسة عيوب:
- الإقواء والإكفاء:
يشير ابن قتيبة إلى أن الإقواء هو اختلاف الإعراب في القوافي، كأن يأتي الروي في البيت الأول مكسورا ويأتي في الآخر مضموما، وقد عدوه عيبا من عيوب الشعر لشدة ارتباطه بعنصر الموسيقى.
وقد كان النابغة الذبياني يقوي في شعره كثيرا وفيه قوله:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
بمخصب رخص كأن بنانه


وتناولته واتقتنا باليد
عنم يكاد من اللطافة يعقد


وقد استمر النابغة في هذا العيب حتى أسمعوه إياه في غناء بالحجاز فقال:
"قدمت الحجاز وفي شعري ضعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس"[22].
إلا أن حسب ابن قتيبة هناك من الناس من يعد الإقواء إكفاء فيراد به "نقصان حرف من فاصلة البيت كقول حجل بن نضله وكان أسر بنت عمرو بن كلثوم وركب بها المفاوز واسمها النوار:
حنت نوار ولات هنا حنت
لما رأت ماء السلا مشروبا


وبدا الذي كانت نوار أجنت
والغرث يقصر في الإناء أرنت


سمي إقواء لأنه نقص من عروضه قوة، وكان يستوي البيت بأن تقول متشربا"[23].
ومهما كان الاختلاف بين الإقواء والإكفاء فإنه عيب من عيوب الشعر، والفحل من الشعراء لا يحق له أن يقع فيها.
Ÿ السناد: وهو اختلاف أرداف القافية حسب ابن قتيبة، والحق أننا لا نقتصر في هذا العيب على الردف فحسب، وإنما العيب قد يطال الحذو (سناد الحذو) والإشباع (سناد الإشباع) والتأسيس (سناد التأسيس) والتوجيه (سناد التوجيه).
والملاحظ في تعريف ابن قتيبة للسناد أنه اقتصر على الردف فقط، وهو اشمل وأعم مما تصوره.
Ÿ الإيطاء: يعرفه ابن قتيبة بأنه إعادة القافية مرتين أو أكثر وهو بحسبه ليس عيبا. وقد اشتق الإيطاء من المواطأة بمعنى الموافقة، ومنه قوله تعالى: "ليواطئوا عدة ما حرم الله"[24].
وقد أطال العلماء في الوقوف عنده "ورأى الدكتور شكري عياد أن صاحب الشعر الحر يعتمد الإيطاء لغرض آخر. قال: الشاعر يزيد نغمة خفوتا بلجوئه المتكرر إلى الإيطاء... فالإيطاء إذ يوجه الذهن إلى تماثل المعنى يصرفه عن تماثل النغم"[25]. وبذلك فالسناد يطال حروف القافية بأكملها ولا يقتصر على الردف فقط.
Ÿ الإجازة: يقال أن الإجازة هي أن يكون الروي مقيدا ويكون الردف مختلفا من بيت إلى آخر، ويظهر من خلال الأمثلة التي قدمها ابن قتيبة أنه لم يذهب مذهب العروضيين في الردف، والردف عند العروضيين. لا يمكنه إلا أن يكون ألفا أو ياء، أو واوا لا يفصل بينها وبين الروي فاصل،  وقد مثل ابن قتيبة لذلك يقول امرؤ القيس:
لا يدعي القوم أني أفر
وكندة حولي جميعا صبر
ألحقت شر يبثر[26].
Ÿ الإعراب: من العيوب اللغوية، وهو أن يعمد الشاعر إلى تسكين ما لا يجوز تسكينه كقول لبيد:
تراك أمكنة إذاكم أرضها


أو يَعْتَلِقْ بعض النفوس حمامها


فسكن الفعل المضارع (يعتلق) ولا يجوز ذلك، لأنه لم تدخل عليه أداة من أدوات الجزم. إلا أن ابن قتيبة يرى أن (أو) بمنزلة (حتى) وفي هذا الجانب كذلك تحدث عن المقصور والممدود. "وقد يضطر الشاعر فيقصر الممدود وليس له أن يمد المقصور"[27].
ومجمل القول إن هذه العيوب التي ذكرها ابن قتيبة في مقدمة كتابه، لتعد بحق أكبر دليل على أنه سيبلور مفهوما جديدا للنظر إلى الشعر، ألا وهو (النقد) وإن لم يشر إليه في كتابه، إلا أن عمله يعتبر عملا تأريخيا ونقديا في الوقت عينه.
د- بناء القصيدة:
يعتبر نص ابن قتيبة من أقدم النصوص التي حاولت تفسير بناء القصيدة العربية الجاهلية في تسلسله المنطقي، وذلك حيث يقول: "... وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها)، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان؛ ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي (به) إصغاء الأسماع (إليه)، لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما (قد) جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام، فإذا (علم أنه  قد) استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق. فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسرى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا (علم أنه قد) أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضلة على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل.
فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا منهما أغلب على الشعر، ولم يطل فيتمل السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد..."[28].
فهو يشير إلى أن الشاعر الجاهلي استهل القصيدة بالوقوف على الأطلال ووصل، ذلك بالنسيب لمراعاة حالة السامع النفسية؛ قصد الإصغاء إليه ومشاركته آلامه وإحساسه، لأنه يعاني شدة الشوق وألم الفراق. وما إن يتآكل الشاعر أنه جلب انتباه المتلقي إلا وينتقل إلى الرحلة، وهي رحلة مليئة بالمشاق والمعاناة والصعاب. فيكون بذلك قد انتقل بالمتلقي من حالة المشاركة الوجدانية إلى حالة العطف والإشفاق. وفي النهاية ينتقل إلى الغرض والشاعر المجيد من يهتم بهذا النظام، ويراعي حالة السامع، فلا يطيل فيمل ولا يجيز فيقطع بالنفوس ظمأ إلى المزيد. وقد أشار إلى ذلك إحسان عباس بقوله: "فابن قتيبة يؤمن أن بناء القصيدة على هذه المقدمات إنما كانت تستدعيه الرغبة في لفت الانتباه وإشراك السامعين في عاطفة الشاعر، وهي عاطفة سهل المشاركة فيها، لأنها قريبة إلى القلوب جميعا، كما يرى أن مبنى القصيدة لابد أن يظل متناسب الأجزاء معتدل الأقسام؛ فلا يطيل في قسم منها فيمل السامعين، ولا يقطع بالنفوس ظمأ إلى المزيد"[29].
أيا ما كان الأمر، يبقى نص ابن قتيبة هذا موضوع نقاش وجدل كبير بين مجموعة من الأدباء في مقدمتهم الدكتور عز الدين إسماعيل الذي ألح على قصور تفسير ابن قتيبة حين اعتبر النسيب أداة فنية موجهة إلى المتلقي على حين أن هذا النسيب يحسم ارتداء الشاعر على نفسه وخلوه إليها، وهو بذلك يعد الجزء الذاتي في القصيدة"[30].   
في حين يرى د. محمد فتوح، أن رأي ابن قتيبة ينم عن وعي نقدي مبكر بماهية المقدمات من حيث هي آصرة وجدانية بين المبدع والمتلقي[31].
وعلى النقيض من ذلك، يرى د. يوسف اليوسف أن افتتاح الشاعر بالنسيب ما هو إلا تعبير عن إحباطاته وعن ميولاته وغرائزه المكبوتة يقول: "أما الركيزة النفسانية التي قدمها ابن قتيبة والتي ترمي إلى أن الشاعر الجاهلي كان يطلع بالنسيب ليمتلك انتباه السامع أو القارئ نظرا لاجتذاب الغزل للإنسان، فهي على الرغم من أنها تحمل شيئا من الصحة بعيدة كل البعد عن إصابة كبد الحقيقة ، لقد اعتاد الشاعر الجاهلي أن يستهل قصيدته بالنسيب والطللية شكل من أشكال النسيب بالتأكيد في غالب الأحيان؛ لأن الجنسية هي أشد دوافعه حاجة إلى التلبية والإنسان نزاع دوما إلى الحديث عن دوافعه المحبطة"[32].
أما الدكتور محمد مندور فاعتبر بناء القصيدة تقليدا من تقاليد الشعر الجاهلي يقول: "هذه النظرية التقريرية في تفسير تأليف القصيدة العربية فليس صحيحا أن الشاعر المادح هو الذي فكر أن يبدأ بالديار والحبيبة والسفر وما على ذلك ليمهد لمديحه، وإنما هي تقاليد الشعر الجاهلي التي استمرت مسيطرة بعد أن دخل التكسب في الشعر"[33].
ومهما يكن فإنه يصعب الجزم في هذه المسألة، ويضل نص ابن قتيبة في حاجة إلى دراسات جديدة.
وأغلب الظن أن ابن قتيبة كان يقصد بنصه هذا الشعراء العباسيين، حيث شاع التكسب، في حين أن الغالب على الفترة الجاهلية هو الصدق، إن كان الشاعر لا يمدح الرجل إلا بما فيه. والمحيط كان محيطا مكشوفا، ويدل على ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة


وإن خالها تخفى على الناس


وقد تحدث عن هذا عبد العزيز الكفراوي في كتابه "الشعر العربي بين الجمود والتطور"، ومن قبله ابن طباطبا في "عيار الشعر" وابن رشيق في "العمدة".
3- ترجمة الشعراء بين ابن سلام وابن قتيبة (امرؤ القيس وحسان نموذجا):
أ- امرؤ القيس:
عندما ترجم ابن سلام لامرئ القيس، صنفه ضمن الطبقة الأولى من فحول الجاهلية، والتي تضم إلى جانبه النابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وميمون الأعشى. وقد اختلف في هؤلاء الأربعة أيهم اشعر من الآخر. يقول: "... ثم [إنا] اقتصرنا بعض الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم – إلى رهط أربعة [على أنهم اشعر العرب] طبقة، ثم اختلفوا فيهم بعد وسنسوق [في] اختلافهم واتفاقهم وتسمى الأربعة ونذكر الحجة لكل واحد منهم – وليس تبدئتنا واحدا في الكتاب نحكم له، ولبد من مبتدأ – ونذكر من شعرهم الأبيات التي تكون في الحديث والمعنى"[34].
إلا أن بن سلام يورد في "الطبقات" نصا يظهر تفرد امرئ القيس على غيره من الشعراء يقول: "... احتج لامرئ القيس من يقدمه قال: ما قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنها العرب واتبعته فيها الشعراء، منها استيقاف صحبه والبكاء في الديار، ورقة النسيب وقرب المأخذ، وشبه النساء بالظباء والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين المعنى وكان أحسن طبقة تشبيها، وأحسن الإسلاميين تشبيها ذو الرمة"[35].
يتضح من النص أن امرئ القيس حاز على قصب السبق في أشياء ابتدعها بنفسه، ومنها استيقاف صحبه، والبكاء على الديار، ورقة النسيب، وتشبيه النساء بالظباء وتقييد الأوابد.
وبخصوص ابن قتيبة، فهو الآخر أتى على ذكر هذه الأشياء، بيد أنه أفاض فيها أيما إفاضة؛ حيث ذكر نسبه – على غرار ابن سلام – بتفصيل.  يقول ابن قتيبة: "... وقد سبق امرؤ القيس إلى أشياء ابتدعها واستحسنها العرب واتبعته عليها الشعراء من استيقاف صحبه في الديار ورقة النسيب وقرب المأخذ"[36].  
فإذا كان ابن قتيبة يتواءم وابن سلام فيما سبق ذكره، فإنه يتميز عن أستاذه بذكر أشياء لم يأت عليها  ابن سلام؛ ومن ضمنها العيوب أو المآخذ التي أخذت على امرئ القيس ومنها قوله:
"... أغرك مني أن حبك قاتلي


وأنك مهما تأمري القلب يفعلي


 (...) قالوا إذا كان هذا لا يغر فما الذي يغر؟
(...) ويعاب عليه تصريحه بالزنا والدبب إلى حرم الناس،  والشعراء تتوفى ذلك في الشعر وإن فعلته. قال:
سموت إليها بعدما نام أهلها
فقالت شباك الله إنك فاضحي

سمو حباب الماء حالا على حال
ألست ترى السمار والناس أحوالي..."[37]

ب- حسان بن ثابت:
ترجم ابن سلام لحسان رفقة مجموعة من الشعراء هم: (كعب بن مالك، عبد الله بن رواحة، قيس بن الخطيم بن ظفر، وأبو قيس بن الأسلت من بني عمرو بن عوف)، ضمن "طبقة شعراء القرى العربية"، فأكد أن حسان أشعرهم لجودة شعره وكثرته، وجاء بمجموعة من الأقوال التي تؤيد هذا الرأي، ومن ضمنها قول الحارث: "يا محمد، أجرني من شعر حسان، فوالله لو مزج به ماء البحر مزجه..."[38].
وفيما يخص ابن قتيبة فقد ذهب مذهبا آخر مخالفا لأستاذه ابن سلام، وهو وصفه حسان بالجبن، ورداءة شعره، مستندا في ذلك إلى قول الأصمعي: "الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره"[39].
فالأصمعي هاهنا قصر فحولة حسان على ستين سنة الأولى من حياته أي قبل أن يسلم.
ومهما يكن، من فروق بين ابن سلام وابن قتيبة، فهذا لا ينقص من قيمة أي منهما، ويظلان علمين من أعلام الفكر العربي، يكمل كل منهما الآخر.
والسؤال الذي قد يتبادر لكل من اطلع على التراجم التي أعدها كل من ابن سلام وابن قتيبة، هو ما الذي دفع ابن قتيبة إلى إقصاء حوالي ستين شاعرا أتى على ذكرها ابن سلام في طبقاته؟
من هؤلاء الشعراء:
- كعب بن مالك                      - السموأل
- تميم بن أبي بن مقبل               - كعب بن الأشرف
- عبد الله بن رواحة                 - الحويدرة
- عقيل بن علفة                     - الأشهب بن رميلة
- درهم بن يزيد
وتجدر الإشارة إلى أن ابن قتيبة ترجم إلى نحو مائتي شاعر في حين نجد أن ابن سلام لم يترجم إلا إلى مائة وخمسة عشر شاعرا حسب ما توصلنا إليه من خلال إحصائهم.
خاتمة:
إن المعترف لابن قتيبة من خلال هذا المنجز النقدي، أنه سلك مسلك ابن سلام في جوانب عدة وابتدع لنفسه مسلكا جديدا تميز به عن أستاذه، تجلى أساسا في تلك المقدمة النقدية التي تعد في نظرنا تمهيدا لابد من الاطلاع عليه قبل سبر أغوار الكتاب.
فالقضايا التي تبرزها المقدمة هي قضايا معيار؛ حيث يبين فيها الكاتب المعايير التي اشتغل عليها في ترجمته للشعراء، وهذا أدل على أن عمل ابن قتيبة لا يخبط فيه خبط عشواء، وإنما كان عملا منطقيا علميا صرفا، بحيث لا يحكم على شعر شاعر حديث لحداثته، ولا قديم لقدمه، وإنما المعيار عنده – كما سبق – هو الجودة والشهرة بغض الطرف عن الزمن الذي قيل فيه.
وقد استطاع من خلال عمله هذا أن ينال الحظوة إلى جانب ابن سلام وابن المعتز، باعتبارهما الأقرب إلى مجاله.
وفي الأخير - وليس كل شيء – لا يسعنا إلا أن نقول في حق الكتاب أنه  كتاب عمدة في الأدب، والأحوط أن يكون في خزانة الباحث، يعينه على المعرفة  ويرشده إلى المعلومة.
يبقى السؤال المطروح هو: لماذا انتقد ابن قتيبة في كتابه هذا، واتهم بأنه "مقدمة بلا كتاب"؟ أليس هذا إغباط في حق علماء أجلاء كانت لهم رغبة جامحة في الحفاظ على العربية وصونها؟


[1] - إشارة إلى الشعراء الذين كانوا يجودون وينقحون قصائدهم كزهير، والحطيئة....
[2] - زغلول محمد سلام، نوابغ الفكر العربي، دار المعارف، مصر، ب-ط، سنة 1965، ص: 62.
[3] - إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني إلى القرن الثامن الهجري، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط 2، سنة 1993، ص: 106.
[4] - محمد رمضان الجربي، ابن قتيبة ومقاييسه البلاغية والأدبية والنقدية، المنشأة اللغوية العامة للنشر والتوزيع والإعلام - طرابلس - ط 1، 1984 م، ص: 36.
[5] - عبد العزيز عتيق، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط 3، سنة 1974م، ص: 377.
[6] - ابن قتيبة: الشعر والشعراء – دار إحياء العلوم، بيروت، ط 6، 1997، ص: 16-17.
[7] - الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ص: 21.
[8] - نفسه، ص: 22.
[9] - الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ص: 22.
[10] - نفسه، ص: 23.
[11] -  محمد طاهر درويش: النقد الأدبي عند العرب حتى نهاية القرن الثالث الهجري، دار المعارف، مصر، ب- ط، 1979، ص: 176.
[12] - الشعر والشعراء، ص: 24.
[13] - الشعر والشعراء، ص: 25.
[14] - نفسه، ص: 24-25.
[15] - عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط 5، سنة 1985، ج 1، ص: 66-67.
[16] - الشعر والشعراء، ص: 26-27.
[17] - الشعر والشعراء، ص: 27-28.
[18] - نفسه، ص: 33.
[19] - نفسه، ص: 35.
[20] - يقصد ابن قتيبة بالدواء: عندما يكون الشاعر في حالة مرض.
[21] - الشعر والشعراء، ص: 41.
[22] - محمد بن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود شاكر، مطبعة المدني القاهرة، ب.ت، ب.ط، ج 1، ص: 68.
[23] - الشعر والشعراء، ص: 45.
[24] - التوبة، آية: 37.
[25] - القافية في العروض والأدب، حسين نصار مكتبة الثقافة الدينية، مصر، ط 1، 2002، ص: 108.
[26] - الشعر والشعراء، ص: 46.
[27] - الشعر والشعراء، ص: 49.
[28] - الشعر والشعراء، ص: 31-32.
[29] - إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ص:  112.
[30] - سعيد الأيوبي: عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي، مكتبة المعارف، ب.ت، ص: 324.
[31] - نفسه، ص: 324-325.
[32] - يوسف اليوسف: مقالات في الشعر الجاهلي، ط 3، 1983، ص: 124.
[33] - محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، دار النهضة، مصر، ص: 32.
[34] - طبقات فحول الشعراء، ص: 42.
[35] - نفسه، ص: 46.
[36] - الشعر والشعراء، ص: 55.
[37] - الشعر والشعراء، ص: 71-72.
[38] - طبقات فحول الشعراء، ص:  183.
[39] - الشعر والشعراء، ص: 192.

ليست هناك تعليقات: