الخميس، 7 يوليو، 2011

قراة في مقال تمام حسان: "اللغة والنقد الأدب"


                                                                                        حميدالمساوي

من خلال العنوان يتبين أن مجال الاهتمام سينصب حول أثر الدراسات اللغوية في النقد الأدبي. والدراسات اللغوية  القديمة وإن قدمت للنقد القديم من الأصول ما أكسبه البقاء عبر العصور،إلا أنها لم تسلم من انتقادات المحدثين، وقد جاء هذا الطعن على النقد القديم من جهة أنه " لخص عطاءه في قواعد البلاغة العربية" عكس النقد الحديث الذي استفاد من مجالات عدة متكاملة، ومن ذلك الدراسات النفسية، والاجتماعية والأخلاقية، والدينية، واللغوية، والذوقية، والجمالية ... فما هي إذن عطاءات الدراسات اللغوية في حقل النقد الأدبي؟
 اللغة " بنية"، ومعنى ذلك أنها نظام متكامل يجعل من تلك البنية جامعة مانعة" جامعة لكونها في غنى عن كل ما هو خارجي، وبعبارة أخرى الاكتفاء الذاتي للغة، على أداء وظيفتها الكبرى وهي الاتصال، وهذا الغنى يتمثل في:   الأصوات، وأقسام الكلم، والصيغ الصرفية والأصول والزوائد، والاشتقاقات،   والعلاقات السياقية، والحقول المعجمية...وكونها مانعة لا تقبل كل دخيل، فهي متكاملة البناء، وحاصول ذلك أن اللغة " لا تفتقر" و" لا تقبل". وبعبارة أوضح اللغة قلب الاتصال النابض.غاية هذا التقديم هي عرض الموضوع بشكل منظم، قد لا يتحقق إذا نسب كل شيء إلى اللغة في عمومها. هذا من جهة، ومن جهة ثانية" فإن نسبة العطاء إلى الأنظمة الفرعية سيلقي ضوءا كاشفا على دور الدراسات العربية القديمة في حقل النقد، وقد كان النقد القديم منسجما في تطوره مع ظهوره هذه الدراسات، آية ذلك أن النقد كان في بدايته ذو طابع نحوي، فتطور إلى طابع جمالي ذوقي، ثم   أصبح صناعة ذات قواعد.
وضمن هذا كانت الإشارة بضرورة التمييز بين الإبداع باللغة، والإبداع داخل اللغة، أما الأول فطبيعي وأما الثاني فهو الإشكال، فهل يحق للأديب أن  يبتدع في اللغة شيئا لم يسبق إليه؟ كأن يقول مثلا "مات الحجر" أو "فرح الخشب".
وبصفة عامة ما هو موقف النقاد من ظاهرة الانزياح؟
يرى الكاتب أن " الضرورة " قد تكون "خطأ في بعض الظروف، ورخصة   مقبولة في بعضها الآخر، وتحسب خطأ من أديب وإبداعا من أديب آخر قد يكون  أكثر من الأول مهارة في التعبير وخبرة بطرق الأداء اللغوي" وهي نظرة نسبية   إلى حدما وسأقف عندها فيما بعد.
بعد هذه الدردشة ندخل لصلب الموضوع، وهو "عطاء الدراسات اللغوية للنقد الأدبي". وأهم هذه الدراسات (دراسة: الأصوات/ والصرف/ والتركيب/ والدلالة/ والأسلوب).
I- دراسة الأصوات:
لقد انصب اهتمام الدراسات الصوتية المعاصرة على النص في مجالي " الصحة والجمال"  فيما يخص صلة النص بالصحة فتتمثل في علاقة الصوت بالفروق القائمة بين المفردات من حيث المعنى، فأصبح "الاستدلال" أو "المعاقبة"، وسيلة من وسائل الكشف عن الوحدات الصوتية التي تعين على التفريق بين المعاني "(فساح ليست هي صاح، وكذلك مال ونال، وقال وقاد...)، والتفريق في الفهم بين الصوت و" الوحدة الصوتية ".
فإذا جاز لوحدتين صوتيتين أن تشتركا في مخرج واحد، فهناك من الحلول  ما يجعل من إحدى هاتين الوحدتين تنتسب إلى ذلك المخرج، وذلك برد الصوت  إلى مخرجه الذي "ينسبه إليه نظام اللغة " ومن ذلك ينبغي " تنطق كما تنطق الميم ومن موقع الصوت نعلم أنه ينتمي إلى النون لا إلى الميم.
كل هذا من أجل تفادي الاستثقال في النطق، و"طلب الخفة" Economyof Effort.
ومما يعاب على القدماء في هذا الجانب أنهم لم يضعون لهذه الظواهر  المصطلحات المضبوطة، ولكن الدراسات اللغوية الحديثة "أدلت بدلوها في هذا   الشأن فتكلمت عن ظواهر محددة كتقارب الأبعاد بين مقطعين وقع عليهما النبر. "
ومن ظواهر " طلب الخفة " في الدراسات اللغوية الحديثة "ظاهرة المناسبة الصوتية " ومن أمثلثها " اشباع الضمير أيا ما كان ما قبله أو بعده والعكس صحيح". والإتباع  نحو "حيص بيص" و" شذر مذر" وعطشان نطشان".
 وثمة ظوهر صوتية أخرى خارجة عن طلب الخفة، لكنها تساهم في فنية الأدب ومن هذه الظواهر" حكاية الصوت للمعنى"، والمقصود بها أن يكون في جرس الصوت ما يذكر بالمقصود بالكلمة" ومثال ذلك" لتكرار" الموجود في  إخراج نطق الراء  في كلمة "خرير" وأنه يذكر بخرير الماء، و" بالاحتكاك " والرخاوة" في نطق الحاء، وأنه يذكر بفحيح الأفعى... 
وقد دعى الرمزيون الفرنسيون إلى ضرورة "تعجيم" هذه الظاهرة، بجعل  الكلمة "كالنغمة الموسيقية "، توجد بجرسها بدلا عن المعنى الذي تعارف عليه المجتمع.
وللقافية الشعرية أصولا وقواعدا  تجعلها من قبيل الدراسات اللغوية، مما  يحول بينها وبين أن تكون من النقد لأن النقد لا يقعد له، وإنما ينتفع بالدراسات  ذوات القواعد، ومع ذلك فالشاعر حرا في تخطيط القافية، بل حتى في ترتيب أنماطها، وهنا الخروج عن الضوابط الموروثة.
ومن الظواهر الصوتية أيضا" ما تتفق فيه الأصوات وتتعدد المعاني"  كالتضاد، والجناس والتورية، وأسلوب الحكم، والاستخدام.
II- دراسة النحو:
يدخل ضمن هذه الدراسة مجموعة من الأبواب مثل أقسام الكلم، والجمود والاشتقاق، والتجرد والزيادة، وصيع المشتقات، وإسناد الأفعال..." ولكل من هذه الأبواب مواقع بحسب السياق النحوي"  بالنسبة لأقسام الكلم" مثلا أن يكون الفاعل ونائبه اسمين، وأن يسبقهما فعل ..
كل هذا يدخل ضمن ما يسمى " بقرينة البنية"، وقد يمتد النحو إلى قرائن أخرى كالإعراب، و"المطابقة " والربط" و "الرتبة "... وكل هذه القرائن مجتمعة هي التي تحدد المعنى النحوي .
والكلام في هذه القرائن من قبيل نقد الصحة، وأن هذه القرائن مناط وضوح المعنى وأمن اللبس". وقد يتضح المعنى في غنى عن بعض هذه القرائن.
أما أن النقد ذو وجهين ( الصحة، والجمال)، فموضوع المقال ينكب على  "الصحة"، لأن صلة اللغة بالنقد الأدبي تنصب في معظمها على صحة النص، وهو جانب عرفي اجتماعي، وفي ذلك إقصاء للجانب الجمالي، وإجحاف للنقد لأن كل نقد يجب أن يشمل الظاهرة الأدبية في عمومها.
والجانب الثالث من جوانب صلة قرائن النحو بالنقد الأدبي هو" تضافر القرائن على بيان المعنى الواحد" مما يجعل إحدى هذه القرائن" زائدة غير ضرورية".
ورابع هذه الجوانب هو "جانب الاستعمال الفني لقرائن النحو، وهو الاستعمال المعدول به عن القياس " الاستعمال الأصلي"، ويمكن تسميته ب"    الاستعمال العدولي"، فالأصلي "التزام " والعدولي " حرية ". ويتم هذا العدول على حساب "البنية" بتضمينها معنى بنية أخرى، كتضمين الجامد معنى المشتق...، وعلى مستوى الإعراب كصرف غير المنصرف.... وذلك لسبب فني.
ثم العدول عن" المطابقة" كالالتفات الموجود في القرآن الكريم إذ يخاطب الله تعالى بني إسرائيل بضمير جمع المخاطب، ثم يظل الضمير المخاطب كما هو ولكن الخطاب يلتفت للمسلمين " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتى التي أنعمت عليكم ... أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون".
والعدول عن "الربط" وذلك بعود الضمير على غير مرجع، كأن تبدأ   الكلام بقولك" قالوا " أو " زعموا..." وليس القائلون معروفين ولا الزاعمون مذكورين من قبل.
ثم العدول على مستوى "الرتبة"، وبالأخص الرتبة غير المحفوظة، وفي هذا الإطار كان كلام الأدباء والبلاغيين عن الاستعمال العدولي في صورة دراستهم   لظاهرة التقديم والتأخير وأثرها في المعاني الأدبية، وربطها بالحالة النفسية للمتكلم  حينا، والسامع حينا آخر، وموقف الاتصال.
    فالعدول على مستوى "التضام"، ويتمثل في أمور منها: الحذف، الفصل، الاعتراض، الإحالة، المفارقة.
عموما فنصيب النقد الأدبي من النحو أمران:  نقد صحة النص على مستوى الاستعمال الأصولي. ونقد أسلوب النص على مستوى الاستعمال العدولي.
III- دراسة الكلمة:
إن علاقة الكلمة بالنقد الأدبي تتعدى نقد الصحة لتتناول نقد الجمال، ونظرا لقدرة الكلمة على الانفراد فقد نشأ لعلاجها مجالان، أحدهما " المعجم " لدارسة معناها الأصلي، والآخر "البيان" لدراسة معناها المجازي الفني. مع أن الأهم هو دراسة علاقة الكلمة بمعناها، هذه العلاقة يمكن أن تكون عرفية، أو ذهنية أو طبيعية، أو فنية.
العلاقة العرفية معناها أن المجتمع هو الذي عقدها أو تواضع عليها. والعلاقة الطبيعية وهي المسمات عند اللغويين العرب "بحكاية الصوت للمعنى" (خرير/ فحيح...). والعلاقة الذهنية هي التي تعطينا معنى لم يحدث التعبير عنه صراحة، كأن نقول للمضياف (هذا رجل كثير الرماد).
أما العلاقة الفنية فأشهر ما يندرج تحتها: علاقة المشابهة (المجاز  اللغوي)، والتضاد (المحسنات اللفظية، كالمقابلة والطباق).
IV- دراسة الجملة:
والجملة ليست مجال اهتمام النحو فقط " وإنما هي ذات قيمة في مجال  الكشف عن الفروق الدلالية والومضات الجمالية " الاستعمال العدولي، ويكون بذلك  النقد الأدبي قد استفاد من علوم مساعدة كعلمي النفس والاجتماع.
V- دراسة الأسلوب:
إن الأديب يسعى من وراء أسلوبه إلى غايتين:
1- الوضوح: وذلك بالبعد عما بإمكانه أن يسيء إلى الرسالة وأثرها  الاتصالي و تأثيرها الفني.
2- مخاطبة الذوق الفني للسامع أو القارئ: وذلك قصد اشراكه وجدانيا،  ولذلك وجب على الأديب أن يلم بكل النواحي التي سبق الكلام فيها (الأصوات/الجمل/الكلمة /الأسلوب...).
           تــعليـــق:
- أشار تمام حسام في بداية كلامه إلى قضية أساس، هي تلك التي تتعلق  بموقف المحدثين من البلاغة القديمة، فالأسلوبية بالأساس وصفت هذه البلاغة بأنها بلاغة معيارية قائمة على مجموعة من القواعد والضوابط (عمود الشعر مثلا)، وهي بدلك لا تخدم النص الأدبي، بقدر ما تخدم ذاتها ولذلك كان الاهتمام  بالسياق من أولويات الدراسات الأسلوبية، و كل ما كان عيبا في نظر البلاغيين القدماء (كالضرورات مثلا)، أصبح ضروريا في نظر الأسلوبيين. ولتبرير ذلك يمكننا الوقوف عند قول الشاعر، وكيف نظر إليه الفريقين؟
وأحمق ممن يلعق الماء قال لي *** دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد
فبيت القصيد هاهنا كلمة: نقاخ"  فالشاعر وصف الماء العذب الزلال بالنقاخ المبرد.
يرى البلاغيون أن كلمة " نقاخ " كلمة مستكرهة ولا تجوز في هذا المقام. بينما يرى الأسلوبيون أن الكلمة لا يمكن أن يوجد خارج هذا المقام لأن السياق هو الذي فرض ذلك، فشارب الخمر أراد أن يعبر عن موقفه العدائي من هذا الذي ينصحه بترك الخمر وشرب الماء، فلم يجد لذلك أكثر من أن يصف هذا الماء العذب الزلال بالنقاخ المبرد، ومن هذا القبيل أمثلة متعددة.
- إن اعتبار " اللغة" نظاما متكاملا، وفي غنى عن كل ما هو خارجي.
 في نظري، هو حكم قد يكون نسبيا إلى حدما، وقد  يكون سببه تأثر تمام حسان بالدراسات اللغوية القديمة،  واللسانية في نسختها الأولى مع "سوسير"، ذلك  أن اهتمام هذه الدراسات كان منصبا  بالأساس على "اللغة".
ومع مجيء بالي (رائد الأسلوبية)، أصبح الاهتمام منصبا على " الكلام" وأصبح اهتمام بالصور والأنماط المتعارف عنها، شيئا متجاوزا، فبالي يهتم باللغة المنطوقة لا اللغة المكتوبة التي اهتمت بها البلاغة القديمة بشكل أساس، ضمن قواعد.
و لذلك يمكن القول: إننا نتفق مع تمام حسان إذا ما كان كلامه منصبا   على للغة في منظور القدماء. لكن إذا تعلق الأمر بالمحدثين فإن اللغة دائما في حاجة.
- وأشار تمام حسان أيضا إلى ما سمي " بالضرورة" قديما، و " الانزياح"
حديثا لا أنه لم يفصل في ذك وإنما كانت الإشارة عابرة.
وقد أشار الأستاذ الفاضل " عز الدين الذهبي "  في الفصل الخاص "  بالمعجم الشعري" من كتابه الأسلوب في شعر بشار، فقد تحدث النقاد القدمى وقبلهم اللغويون إلى مسألة الضرورات، فانقسموا في ذلك إلى طوائف،فمنهم من رفض الانتهاكات كابن رشيق وقدامة بن جعفر، ومنهم من أجازها ولم يلبث أن نفاها ومن هؤلاء سيبويه، ومنهم من رأى أن الضرورة إذا حملت على وجه من أوجه الصواب لم تعد ضرورة " كابن قتيبة. وقدم حازم القرطاجني "صياغة تبيح الاحتيال من أجل تخريج انتهاكات الشعراء على الصحة".
وهناك من اعتبر الضرورة امتيازا يمنح للشعراء على غيرهم  لعلو شأنهم و عظيم منزلتهم، وأول هؤلاء الخليل بن أحمد، وسار الأخفش على خطاه، بل تعداه فأباح للشعراء انتهاك القواعد حتى خارج الشعر، واعتذر لهم بتعوذ ألسنتهم على الضرائر .
أما ابن جني فيؤكد أن " أخطاء"  الشعراء، أخطاء مقصودة، وهو ما جعله يقترب من نظرية الانزياح، لكن الفرق يكمن في كون النظرية ترى للخطأ  المقصود وظيفة جمالية، ويراه ابن جني حالة مزاجية تعتري الشاعر. (الأسلوب    في شعر بشار، د. عز الدين الذهبي ص:17-19).
- إن الحكم على القدماء بالقصور في وضع المصطلحات المناسبة للظواهر الصوتية هو أمر مغرض في حقهم، فالقدماء كانوا على وعي كامل بهذه المسائل الصوتية وبالأخص الخليل بن أحمد الفراهيدي " العين"، وابن جني "الخصائص" وغيرهم فوضعوا لذلك مصطلحات تلائمهم، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نحكم عليهم بالقصور، ولا أن نقاربهم بالمحدثين، لأن كل فترة لها شروطها التي تحكمها
- لقد اهتم تمام حسان" بنحو الجملة" أكثر مما اهتم بنحو" النص"، بمعنى آخر لقد أولى جانبا كبيرا لعلاقة النقد الأدبي بالدراسات اللغوية القديمة ، وأغفل جانبا كبيرا من علاقة هذا النقد  بالدراسات اللغوية الحديثة.
- إن ما يعانيه البحث اللساني في العالم العربي هو غياب التطبيق، وهو ما نلمسه في هذه المقالة، فقد تحدث تمام حسان عن مجموعة من الأمور   اللغوية.
(كالانزياح/ والمناسبة الصوتية/ وتضافر القرائن...)، دون أن يقدم لذلك بمثال من الشعر أو النثر.
- تحدث تمام حسان عن أهم أصل من أصول النحو وهو " أمن اللبس "، لكنه لم يفصل الحديث في ذلك.
وقد حاول الأستاذ المقتدر، "د. عز الدين الذهبي "، الحديث عن   المسألة في الفصل الأول ( الأسلوب بين اللغة والنص)، من كتابه "الأسلوب بين  اللغة والنص" وخاصة الجانب الخاص بالتراث البلاغي،  فأشار الأستاذ إلى أن  امن اللبس يمكن أن يكون في كل الخطابات عدى الخطاب الأدبي، ذلك أن النص الأدبي " نص تعددي"، وأن قاعدة أمن اللبس تستتبع الدقة والمطابقة بين مقاصد المتكلم ومقاصد المستمع، والخطاب الأدبي خطاب قابل لتعدد القراءات، (الأسلوب بين اللغة والنص، ص:25).    


            

ليست هناك تعليقات: